| ► | فبراير 2011 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | ||||

طفابيع القطبيين في مملكة الهوَّّّس الديني
لم تكد تفرغ من قراءة آراء المفكر الإسلامي المبدع سيد قطب في أي من مؤلفاته إلا وتجد نفسك منساقاً طواعية معه إلى حيث يريد هو أن ينتهي بك لا كما تريد أنت أن تتوقف أينما ووقتما شئت , ولعل هذا كان هو سر الخلود الذي استمدت منه تلك المؤلفات طول أمد بقاءها ومعنى تقبلها لدى الكثيرين ـ خصومٌ ومريدين ـ وسعة رقعة انتشارٍ في أوساط وأروقة القراء والباحثين , ما بين طيات المئين من الصفحات التي أخططتها قريحة ذلك الرجل تطالع قصة إعدامه ومعالم طريقه الذي عبَّده لنفسه ولأجيالٍ طامحة لفعل الخير وبناء الإنسانية , توقع هو أن تأتي وتقتفي السير عليه من بعده مستفيئة بوارف ظلاله التي تحيط بجانبيه , إلى جانب عشراتٍ من الأسفار والمقالات الأخرى خلفها صاحبنا وراءه على طول هذه الرحلة التي دامت ستة عقودٍ من مهده إلى لحده , لم تكد تعثر على لغمٍ واحد يوشك بالانفجار عليك ليخرجك من هذه الدنيا لينعم قطب والقطبيين الآتين من بعده بالحياة دون مزاحمةًٍ أو تباين أفكار , قد تختلف معه في الفكر وقطعاً هنالك مختلفون أو قد تلتقي معه في منتصف الطريق لكن في الحالتين يظل هو مستأنس بك لا مستوحش , متفائل لا متشائم , محاور شرسٌ ومقاوم , لا ممعناً هرباً ولا مستسلم لكنه مسالم , في تؤدة ووقار يأخذ خصمه لا متربص بعدوه الدوائر , لكنك فوق ذلك كله تستشف أن الرجل ماضٍ في طريقٍ مزروع بالأشواك ممتثلاً غاية تفضي إلى : " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمر النعم " , ولعله كان مصيباً عندما روى قصة من أساءوا الفهم بمقصود مقدمته التي أستهل بها كتابه : العدالة الاجتماعية في الإسلام , حين قال : { إلى الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديداً كما بدأ، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم .. الخ … ففهم الإخوان في مصر أنني أعنيهم بهذا الإهداء } , ومنذ ذلك التاريخ أي قبل ستين عام ظل هذا السوء في الفهم يراوح مكانه , ليس بمن هو المقصود بهذا الخطاب لكن بماذا هو المقصود من هذا الخطاب ؟ , فبعد ذلك الكتاب لم يكن سيد قطب عضواً في صفوف الأخوان فحسب , بل إنه بدأ وانتهى قائداً وموجهاً لهذه الجماعة إلى أن قدم روحه رخيصة في خدمة ما آمن به من أفكار ومبادئ , هكذا قد بدأت حياة الرجل لكنها لم تنته , مجاهداً في سبيل الخير مفسراً للقرآن ساعياً بكل ما ملكت يمينه لإعلاء كلمة الله وإقامة دولة الحق التي تنشر الفضيلة في الأرض , وإنه وإن رفع راية الجهاد فقد مارسه بأحسن ما تكون الممارسة على نفسه , فهو قد أعمل سيف الحق في القضاء على الجهل الذي قد ران على فؤاده وكبل عقله , ولصدق توجهه فقد انتصر على عدوه الأول الذي هو داخل أهابه , فكان بذلك قلماً مبدعاً وينبوعاً زاخراً من العطاء أخاف خصومه وهزَََ عروشهم , وبزَّ بذلك أقرانه وبهر مجايليه وأجيالاً قد أتت من بعده , فتسللت أفكاره من غياهب سجونه وزنازين حبسه لتعبر الحدود وتقطع الفيافي لتبني رجالاً وأحزاباً على طول بلاد الإسلام وعرضها , فما من تنظيم اعتمد الإسلام له منهاجاً إلا كان صاحبنا حاديه ودليله , صحيح أن التاريخ قد شهد أعمالاً دموية وممارسات همجية قد أقترفها الإسلاميون من هنا وهنالك , لكننا لا نملك الدليل القاطع بأن ننسب كل تلك الأفعال بالدرجة الأولى لأفكاره , بل إننا يمكن أن نستقي الدليل الذي يدافع به هو عن نفسه من صلب كتاباته , ففي كتابه لماذا أعدموني تكاد تلامس خلاصة آراءه التي بنيت عليها دعوته يقول في هذا الكتاب : { ولابد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة : وهي إحياء مفهوم العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول , وتربية من يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة , تربية إسلامية صحيحة , وعدم إضاعة الوقت في الأحداث الجارية , وعدم محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم , قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي , لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تُحكم به } , هذا هي الروح التي بدأ بها صاحبنا برنامجه الدعوي لبناء دولته الإسلامية التي كان يحلم بها ومات لأجلها , وإذا كنا قد رسمنا صورة للرجل يكاد البعض يراها وردية وحالمة تياهة في بحر من الخيال , إلا أننا لا نملك أن نقول بأن هذه هي الحقيقة وربما نكون قد قصرنا في حقه برغم اختلافنا معه منهجياً في أسلوب الحكم وإن كنا قد نتفق في مبدأ التربية , وفي الجهة الأخرى إذا كان الرجل قد شَرَّع للقتال أو أقره فإنما ورد ذلك في إطار ما يمكن تسميته بمشروعية الدفاع عن النفس , ففي نفس كتابه المذكور آنفاً أورد ما يلي : { وفي الوقت نفسه , ومع المضي في برنامج تربوي كهذا , لا بد من حماية الحركة من الاعتداء إليها من الخارج , وتدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها , وتشريد بيوتهم وأطفالهم تحت تأثير مخططات ودسائس معادية } , …. , ثم يسترسل قليلاً إلى إن يأتي ويصف لنا من سيقومون بهذا الدور الاحترازي والذي تسميه الجماعات الإسلامية فيما بعد بالعمل الجهادي , حيث يقول : { وهذه الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريباً فدائياً بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق … إلى آخره .. } , ثم إنه لم يلتزم الصمت عند هذا الحد بل قد حدد لنشاطات هذه المجموعات إطاراً تتحرك على ضوئه , حيث ذكر أنها يجب ألا تبادر هي بالاعتداء ما دامت آمنة في بيوتها وما لم تُعذب أو تُقتل أو تُشرد , بل أكثر من ذلك ألا تحاول قلب نظام الحكم , إذاً كانت تلك هي نظرية الداعية المفكر سيد قطب إبراهيم الشاذلي المُتَوَفَى قبل نصف قرن ويزيد ثلاثاً من السنين , وتعالوا الآن لنتفرج معاً على ما آل إليه الحال , ولكننا قبل أن ننقلكم إلى مسرح الأحداث وعلى الهواء مباشرة دعونا ننوه بأنّ بعض تلك الرؤى والأفكار المنسوبة إلى قطب , وغيرها الكثير طبعاً الذي لا يمكن أن يتسع له مقال , قد كانت رهينة ظرف تاريخي محدد عاشته الحركة الإسلامية في بداية نشأتها مرتبط بالنظام الحاكم في جمهورية مصر العربية خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الجهادي والذي أسماه الداعية نفسه بالحماية وليس الجهاد , وبالتالي فإن الأخذ به على وجه الإطلاق من جانب بعض أو كل الجماعات الإسلامية وسحبه على واقعها الاجتماعي والسياسي يعد ضرباً من تأليه النصوص الذي يجب أن يخضع إلى مراجعة وتمحيص من قبل القيادات الراشدة والواعية التي تقود وتوجه تلك القطاعات الشبابية التي تنضوي تحت ألوية تنظيماتها السياسية ومنظماتها الدينية والاجتماعية , وهذا يقودنا للفقرة الرئيسة في الموضوع وهي ما دار من أحداث بضاحية الجريف غرب بالخرطوم في الأسبوع الماضي , ودون أن نخوض في تفاصيل الذي دار فإننا يمكن أن نوجه مسار نقاشنا في النقاط التالية : أولاً : إن ما تم من اعتداء على دار الحزب الشيوعي لا يمكن اعتباره حادثاً فردانياً صٌدفياً نفذته مجموعة محددة وبالتالي فهو ينحصر داخل مسؤوليتها الفردية في إطار ما ارتكبته من جناية , بمعنى أن هنالك جهة منظمة تقع عليها مسؤولية ورعاية ما تنفذه تلك العصابات المنفلتة من جرائم , ثانياً : صمت أجهزة الدولة الرسمية عن ما يجري من أحداث سواء كانت الأخيرة أو ما سبقها من أحداث مشابهة مارستها نفس المجموعات وعلى ماذا يدل هذا الصمت ؟ , ثالثاً : ترك الحبل على القارب لأئمة المساجد كل يفتي على هواه دون رقابة أو تدخل من أجهزة الدولة , رابعاً : سماح الدولة بل التقنين لمثل هذا النوع من الروابط والجمعيات بممارسة عملها ومزاولة نشاطها وما هي المبررات والدلائل ومن ثم العواقب من بعد كل ذلك ؟ , خامساً وأخيراً : ما هو مدى أهلية هذه الروابط والمجموعات من الناحية الفنية ـ الدينية والعلمية والإعداد النفسي ـ في القدرة على الترويج لأفكارها هذه وتسويق بضاعتها وفي الجهة الأخرى ما مدى سعة صدرها لتقبل الرأي الآخر والصمود أمام موجة منتقديها ؟ , كل هذه التساؤلات المطروحة ليست فرضيات فلسفية للترف الفكري أو الجدل البيزنطي بقدر ما أنها احتياجات ماسة وخطوات عملية تقع المسؤولية فيها على عاتق الدولة وينتظرها المجتمع لحقن دماء أبنائه والحفاظ على أرواحهم واستتباب دعائم أمنه والثقة في حكامه وتنظيم مناهجه التربوية لتنشئة أطفاله في بيئة يسودها الانضباط وسيادة حكم القانون والاستقرار النفسي , لم يكن المجتمع السوداني حتى وقتٍ قريب ليعرف مثل هذا النوع من الجرائم , الاعتداء والقتل والسلب والنهب وتقطيع الأوصال وخلافه









